فخر الدين الرازي
11
شرح عيون الحكمة
ليتخذوها حجة للطعن فيه ، وكانوا يثيرون الغبار حوله من وقت لآخر . وقد تصدى للرد طوائف من المسلمين وأخصهم أهل الاعتزال - كما ذكرنا - فقد مهروا في ذلك النوع من الاستدلال وعلى رأسهم « وأصل بن عطاء » و « عمرو بن عبيد » وغيرهم . ثم جاء من بعدهم « أبو الهذيل العلاف » و « النظام » ثم « الجاحظ » وقد وجدت في ربوع الديار المصرية الاسلامية طائفة من السوفسطائية ، كانت تنتهج منهاج سوفسطائية اليونان ، مثل « صالح بن عبد القدوس » وغيره . فقد كان من هؤلاء أصل الشك في الحقائق اللاأدرية والعندية . وأولئك ينشرون أفكارهم بين المسلمين ، ليحلوا وحدة العقيدة الاسلامية ، ويجدوا السبيل بذلك لهم الإسلام . ذلك كان لا بد من التسلح لهؤلاء . وإذا كان فلاسفة اليونان قد حاربوا السوفسطائية اليونانية بالجدل والمناقشة ، ثم بالقيود المنطقية في الاستدلال ، كما فعل « سقراط » في محاوراته ، وكما فعل « أرسطو » في منطقه ، فقد حق على المسلمين أن يحاربوها بنفس السلاح الذي حارب به حكماء اليونان . فقد جرب فأجدى . لذلك عنى المعتزلة ومن إليهم بالمجادلة معهم ، ثم ترجم منطق « أرسطو » فأجدى في ذلك وأثمر . وان تلك هي جدوى المنطق . فان جدوى المنطق هي انه ميزان الحق بين المتجادلين ، وهو الذي يبين زيف الاستدلال ، فهو بحدوده وأشكال القياس المنطقي وضروب التمثيل يوضح الزيف في القول . ويكفى أن يوضع الكلام الزائف في شكل قياس منطقي ، وتتعرف الحدود في كل أجزائه ، ويعرف العموم والخصوص في مقدماته ، ليتبين الخبيث من الطيب . ولقد شاع المنطق في الماضي عندما شاع الجدل والتمويه وإثارة الأوهام نحو أمور ليست من الحق في شئ . ولا زال يؤدى إلى غايته في هذا المقام ، كما أدى إلى غايته عندما شاع الجدل في المسائل الاعتقادية ، والمسائل الفقهية بين أهل المذاهب المختلفة . . . الخ »